الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

175

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وعلى قول تفسير الكشاف فإن جملة ولئن مستهم نفحة . . . تتضمن ثلاثة تعابير كلها تشير إلى القلة : التعبير بالمس ، والتعبير بالنفحة ، من ناحية اللغة ، ومن ناحية الوزن والصيغة أيضا ( 1 ) . والخلاصة : إن ما يريد أن يقوله القرآن الكريم هو : إن هؤلاء الذين عميت قلوبهم يسمعون كلام النبي ومنطق الوحي سنين طويلة ، ولا يؤثر فيهم أدنى تأثير ، إلا أنهم عندما تلهب ظهورهم سياط العذاب - وإن كانت خفيفة يسيرة - سيصرخون إنا كنا ظالمين ألا ينبغي لهؤلاء أن ينتبهوا قبل أن تصيبهم سياط العذاب ؟ ولو انتبهوا حينئذ ، فما الفائدة ؟ فإن هذه اليقظة الإضطرارية لا تنفعهم ، وإذا ما هدأت فورة العذاب واطمأنوا فإنهم سيعودون إلى ما كانوا عليه ! أما الآية الأخيرة التي نبحثها فتشير إلى حساب القيامة الدقيق ، وجزائها العادل ، ليعلم الكافرون والظالمون أن العذاب على فرض أنه لم يعمهم في هذه الدنيا ، فإن عذاب الآخرة حتمي ، وسيحاسبون على جميع أعمالهم بدقة ، فتقول : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . " القسط " يعني أحيانا عدم التبعيض ، وأحيانا يأتي بمعنى العدالة بصورة مطلقة ، وما يناسب المقام هو المعنى الثاني . ومما يلفت النظر أن " القسط " هنا ذكر كصفة للموازين ، وهذه الموازين دقيقة ومنظمة إلى الحد الذي تبدو وكأنها عين العدالة ( 2 ) . ولهذا تضيف مباشرة : فلا تظلم نفس شيئا فلا ينقص من ثواب المحسنين شئ ، ولا يضاف إلى عقاب المسيئين شئ . إلا أن نفي الظلم والجور هذا لا يعني عدم الدقة في الحساب ، بل وإن كان

--> 1 - المصدر السابق . 2 - مع أن " موازين " جمع ، و " قسط " مفرد ، إلا أن ( القسط ) مصدر ، والمصدر لا يجمع ، فليس هنا إشكال .